المنظومة التربوية المغربية وأسئلة المستقبل… ملاحظات أولية


JARMOUNI صحيفة الأستاذ | Educpress.com | الأحد 26 يناير 2014

يعرف الملف التعليمي ببلادنا مسارا متحولان خصوصا بعد الخطاب الملكي الأخير ل20 غشت، وبعد تعيين رئيس المجلس الأعلى للتعليم والبحث العلمي،السيد عمر عزيمان، وتولي السيد رشيد بلمختار للقطاع المدرسي، وإلحاق التكوين المهني بوزراة التربية الوطنية، والذي يديره السيد عبد العظيم الكروج. ولا شك أن هذا المسار،جاء نتيجة الوضعية المقلقة التي وصل إليها القطاع، بحيث لم يعد يستحمل السكون ولا التردد. ولهذا باشر المجلس الأعلى للتعليم والبحث العلمي، سلسلة من المشاورات وجلسات الاستماع، وإطلاق بعض الدراسات المسحية لمزيد من تعميق النظر في وضعية التربية والتكوين ببلادنا. وفي نفس السياق، أقدمت وزارتي التعليم المدرسي والتكوين المهني، على نفس الخطوة، حيث التقت نهاية الأسبوع الماضي، بالنقابات التعليمية الأكثر تمثيلية. وقد خصص حيز مهم من الجلسة، لعرض وجهات نظر كل من الطرفين في رؤيته لحال ومآل المنظومة التربوية، وحيث أن كاتب هذه السطور، حضر لجزء من هذا النقاش، أحببنا أن نشرك القراء، في بعض الهموم والأسئلة التي تؤرقنا.

لا شك أن مبادرة من هذا النوع، تستحق كل التنويه والتشجيع، لأنها تفتح فرصا هائلة لتبادل وجهات النظر بين الفاعلين سواء منهم الحكوميين أو الاجتماعيين. لكن الأهم في نظرنا هو نقل النقاش إلى الفضاء العمومي، لكي يشكل هاجسا مجتمعيا، وليس هاجسا نخبويا. ونحن نعتقد أن الكل مجمع على توصيف حالة المنظومة التعليمية، بكونها تعيش حالة أزمة حقيقية، بيد أن هناك نظرتان تسمان التقييم الذي ينطلق منه كل طرف على حدة، فالبعض يعتبر أن المنظومة تعاني اختلالات، مست عمليات التطبيق لروح ولأهداف الميثاق الوطني للتربية والتكوين، أو البرنامج ألاستعجالي الذي أوقفه السيد الوزير الوفا. بينما يرى البعض الآخر، أن المنظومة لا تعاني اختلالات، يمكن التدخل لاصلاحها وتدارك ما فات منها، بقدر ما تعاني بالدرجة الأولى من أزمة منطلق وهوية. ونحن نعتقد أن منظومتنا التربوية، تعاني من الأمرين، فهي في المنطلق أزمة هوية، لان المنظومة لم توفق لحد الساعة، في الإجابة على سؤال: ما ذا نريد بالتعليم؟ ولأية أهداف ولأية غايات؟ وبالمقابل فهي تعاني من اختلالات وتوعكات وأعطاب، لا تبدو بسيطة، بقدر ما أصبحت مركبة ومزمنة مع طول الوقت.

أولا في رصد بعض مظاهر الأزمة التربوية:

يمكن في هذه المساهمة المتواضعة، أن نجازف بأن ندعي، أن منظومتنا التربوية، باتت تعاني مفارقة مركبة من ثلاثة عناصر، أولاها، تتمثل في كون المنظومة لا زالت ترتهن لماض مثخن بالترسبات، والتي تتمظهر في أبهى صورها في التراجع المهول للتعلمات الأساسية وللكفايات المختلفة عند جيل التلاميذ الحاليين أو الذين سبقهوم. ومن يتفحص النتائج الوطنية، التي أعلن عنها (المجلس الأعلى للتعليم سابقا)، أو تلك التي صدرت عن هيئات دولية “كالجمعية الدولية للتقويم والتحصيل الدولي « IEA » ، الخاص بمؤشر القراءة « PIRLS » ،والمؤشر الخاص بالعلوم (الرياضيات والنشاط العلمي والفيزياء وعلوم الحياة والأرض« TIMSS »)، وهذان المؤشران يهمان المستويين الدراسين: الرابع إبتدائي والثامن إعدادي. قلت من يلقي نظرة على هذه النتائج، يتبن له بالملموس، كيف هو مستوى التلاميذ المغاربة، مقارنة مع تلاميذ العديد من الدول المشاركة في الروائز.(المغرب حصل على النتائج الأخيرة، انظر مقالنا حول نفس الموضوع). ورغم أن البعض يشكك في نتائج هذا الدراسات، ويعتبرها غير كافية لاستخلاص أية نتائج حدية، بحجة أن التلاميذ المغاربة غير متعودين على الروائز، ويتعاملون معها بنوع من الانتهازية، فإننا نحيله على الخطاب الرسمي للملك في 20 غشت والذي تحدث عن هذه النتائج –وغيرها- بلغة لا تقبل التأويل أو الشك، حيث قال جلالته “إن أداء المنظومة التربوية في العشرين سنة الأخيرة تراجع بشكل كبير”. ولهذا فالحقائق ساطعة ولا يمكن أن نغطيها بالغربال.

وثانيها، تولدت مع التحول السريع في كل مناحي الحياة المعاصرة التي تزداد ظواهره في التعقيد والتركيب، مثل ما وقع في المنظومات التعليمية العالمية، والتي بدأت توظف التقنيات التكنولوجية العالية الجودة، كالتعليم عن بعد، والاعتماد على المختبرات الجماعية، وأيضا تقنيات التعليم التي تركب الفضاءات الافتراضية، وإناء شبكات التعليم المتجدد، والتركيز على معايير ذات جودة عالية ودولية لقياس مستوى التعلمات التي تنشدها هذه المنظومات التربوية.وبهذا المعنى لم يعد السؤال يطرح ما ذا تعرف؟ بل تجاوزه على أسئلة مركبة وعميقة، من مثل: هل تعرف كيف تفعل ذلك؟ وأين تجد المعرفة المطلوبة؟ وكيف تجدها؟ وما هي قيمة المعرفة المتوافرة لديك؟وما هي الاستخدامات الممكنة لها؟ وما إلى ذلك من كفايات تجعل المرء عالما ولو بدرجات متفاوتة، وعليما بخفايا الأمور وقيمتها وأساليب التعامل معها، ومعلما يساهم في نشر المعرفة وعاملا فاعلا في محيطه ومجتمعهن من خلال قدرته على اتخاذ القرارات والمواقف بناء على المعرفة المتوافرة لديه (انظر تقرير المعرفة في العالم العربي، النسخة الأولى، 2009).

أما ثالث مظهر في أزمة التعليم، فيتمثل في التردي القيمي، الذي باتت تشهده المؤسسات التربوية التي لم يبق منها إلا اسم التربية، ويمكن القول أن الإشكالية القيمية، باتت تؤرق العالم ككل، وبشكل خاص، مجتمعاتنا العربية، والمغرب واحد منها، فصدمة التحديث وقسريته وسرعته، خلقت فجوات حقيقية بين الأجيال. ولكي نعطي مثالا حيا على نوعية هذه التحولات القيمية، التي داهمت مجتمعاتنا –والتي لا نعيها حق الوعي- مسألة الحرية، فالكثير من المدرسين يعانون الآن في فصولهم بسبب تغير في العقليات والمسلكيات والاتجاهات التي يحملها التلاميذ والطلبة، فإذا كان جيل الأمس (السبعينيات أو ما قبله) يعتبر أن سلطة المدرس من سلطة الأب، وأن نجاح العملية التربوية رهين بوجود السلطة التربوية، فإن جيل التسعينيات والألفية الثالثة، لم يعد يستسيغ مثل هذه الأفكار، ولهذا فهو لا يقبل بوجود سلطة تربوية كيفما كانت، ولعلني أجازف (نظرا لغياب دراسات علمية حول الموضوع)، بكون أغلب حالات العنف التي تقع في المؤسسات التعليمية، مردها لهذه الفجوة القيمية التي حدثت –وفق شروط موضوعية- لكن مع كل أسف ليس هناك وعي كاف بها، مما يخلق نوعين من الردود، كلاهما غير مجد، الحنين إلى ماض ملائكي (الطاعة العمياء)، أو فسح المجال لحرية أوسع، الشيء الذي يعيق عملية تدبير الفصول الدراسية وضمان سير العملية التعليمية بالشكل المطلوب.

وقد ترتب عن ما سميناه “الفجوات القيمية”، وجود حالة سيكولوجية خطيرة، تملكت المدرسين وهي التفكير في مغادرة المهنة في أقرب فرصة تتاح لهم. فالتدريس أصبح جحيما لا يطاق كما يقال. ولهذا فتسرب هذا الوعي إلى نفوس هذه الشريحة ينبئ بتحول في نظرة المجتمع لمهنة التدريس. وإذا كنا قد عانينا من تردي صورة المدرسين والمدرسة في السابق، نظرا لأسباب مركبة، وسياسية بالأساس، فإن تردي صورة المدرس والمدرسة في المخيال الاجتماعي الآن، يتماهى مع التحولات في منظومة القيم أكثر من أي شيء آخر. ولعل من نتائج هذا التحول القيمي الخطير في مجتمعنا المغربي، هو ضعف إن لم نقل البعد الرسالي في عملية التدريس برمتها، بحيث أصبحنا أمام مدرسين “موظفين” أكثر منهم حاملي رسالة تغييرية.

يجب التأكيد أننا لم نتعرض لكافة مظاهر تشخيص حالة منظومتنا التربوية، لأن ذلك يتطلب مساهمة أوسع مما نحن فيه، لكن المؤكد هو أن اختيارنا منهجي وإجرائي في الآن نفسه، فعندما نتعسف في تحديد ثلاثة أعطاب مفصلية للمنظومة، فإن ذلك لا يعني تجاهل الأعطاب الأخرى، كضعف الحكامة في هذا المجال، وترهل البيئات التمكينية المحايثة للمدرسة، وضعف انخراط المجتمع المدني في الدفاع عن المنظومة، وأيضا وجود بعض التمثلات السلبية لمجتمع المعرفة والعلم، والتي تتمترس في بعض الأحيان، بالدين، حيث يصبح العقل سجينا في مجموعة من اليقينيات التي تفقده فاعليته وحريته في النقد والشك والفحص. هذا بالإضافة إلى الدور السلبي الذي يقوم به الإعلام (نظرا لارتباطه بفلسفة الربح المادي)، عندما يعلي من شأن الفنانين والمغنيين والرياضيين وغيرهم، ويتجاهل الدور الذي يقوم به المفكرون والعلماء والمثقفون.

بعد هذه الملاحظات الأولية التشخيصية لحال المنظومة، ما هي أبرز معالم التغيير التي يمكن أن ترفد المنظومة في مستقبل الأيام؟ لا ندعي القدرة على الإجابة على هذا السؤال المؤرق، بقدر ما نحاول أن نبسط وجهة نظر متواضعة، قد نتقاسمها مع الكثير من الباحثين والمهتمين والفاعلين صناع القرار.

ثانيا في بعض المداخل المساعدة لاعادة النظر في منظومتنا التربوية:

في البداية، نعتقد أن وضوح الرؤية، هدف أساس في عملية التغيير المنشود، وهذا لن يتأتى إلا بوضع نظرية تربوية واضحة المعالم، لا على المستوى النظري فحسب بل حتى على مستوى التنزيل العملي. ومن بين الأمور التي يمكن أن نذكرها في هذا السياق، هو أن تجارب دول الجنوب، (الصين وتايوان وماليزيا وكوريا الجنوبية وسنغافورة)، حاولت في إصلاحها لمنظوماتها التربوية، أن تحدد هدفا استراتيجيا تشتغل عليه، بل إنه يصبح مثل الحلم الذي يعلم للصغار والكبار، فمثلا في تجربة ماليزيا الناجحة، يردد الجميع شعار “يجب أن نكون الوحيدين في العالم”، بمعنى آخر، اختيار شعار يجسد هوية المجتمع، ويعبر عن طموحاته ورؤيته للمستقبل، فكون الماليزيين اختاروا ان يصبحوا “الوحيدين في العالم”، فإن ذك يضفى شحنة حضارية على كل الأجيال، ولهذا يخلص الدارس لهذا التجربة، بنتيجة، أن هذا البلد مفعم بالحيوية والإبداع.

من جهة ثانية، وجب التفكير في سبل توطين العلم، وليس استيراد منتوجاته، ولهذا نحتاج إلى عمل دؤوب لتطوير فلسفة للعلم خاصة بنا، خصوصا في العلوم الأساسية أو ما يسمى “بالعلم الضخم”. ومن خلال هذه الفكرة، فنحن لا نستبشر خيرا بموضة الجامعات العالمية ذات علامات الجودة العليا، بقدر ما يجب أن يكون الهاجس عند النخبة الحاكمة في بلادنا، هو التمكين لجامعاتنا لكي تجدد دماءها في البحث العلمي وفي منتجات اقتصاد المعرفة. وهذا الأمر لن يتأتى إلا بالنظر للمنظومة ككل، وليس كجزر متفرقة. فالتعليم من الروض إلى الجامعي، يجب أن يكون منسجما ووفق رؤية موحدة.

ولعل الشرط الأساس، لتحقيق نقلة نوعية في مجال التعليم، هو التعاطي مع إشكالية المنهاج، بكل ما يتضمنه من قيم ومعارف ولغات، (انظر مقالنا في الجرائد الوطنية، المساء، وهسبريس). فالمنهاج المغربي، يطغى عليه ثقل المضامين، وطرق التلقين المتقادمة والمتهالكة، وبالتالي، لا يمكن لمنهاج تعليمي، بهذا الشكل أن يخرج لنا نوابغ. وأهم ما يمكن أن يستشعره الفاعل الرسمي، هو أن يتضمن المنهاج، ككل وبشكل خاص المقررات الدراسية، رؤية نقدية، أو فكر نقدي، يساعد التلاميذ والطلبة على الإبداع والابتكار، بدل ترديد واسترجاع المعلومات، فنحن لسنا في حاجة للمعلومات، بقدر ما نحتاج لعقل ذكي يوظف هذه المعلومات. وتعد لغة التدريس وتدريس اللغات من بين التحديات المطروحة في اللحظة الحالية، لكي نقدم بشأنها جوابا في اتجاه ما يخدم مصلحة المغرب، ومصير أبنائه مستقبلا، فالحاجة ماسة لتحقيق الاستقلال الثقافي عن اللغة الفرنسية وثقافتها، لأن ذلك سيكسب المغرب مواقع في مجتمع المعرفة الحالي.

يمكن اعتبار أهم بيئة تمكينية مساعدة للمدرسة في مهامها، هو أن تعمل الدولة بخلفية الدولة الإنمائية الفاعلة المتصالحة مع المواطن(انظر تقرير التنمية البشرية لسنة 2013، نهضة الجنوب)، التي تتدخل في تحقيق التماسك الاجتماعي بين أفراد المجتمع، عبر سياسات عمومية تجسد مبدا العدالة الاجتماعية، واقطع من التوريث الجيلي للفقر (إعادة الإنتاج)، نسجل بكل أسف أننا لا زلنا إلى اليوم –رغم بعض المبادرات النوعية، كتيسير- نعيد إنتاج نفس الأوضاع الاجتماعية السابقة، فالتقرير الأخير للمندوبية السامية للتخطيط، حول الحركية الاجتماعية، يؤكد أن الواقع يسجل حركية ضعيفة في اتجاه الترقي الاجتماعي لأبناء الفقراء وخصوصا في الوسط القروي، وعند الفتيات بشكل خاص، وبين المناطق المغربية المختلفة.

ختاما، نعتقد أننا حاولنا أن نقدم وجهة نظر متواضعة في قضية مقلقة للجميع، فاعلين رسميين وغيرهم، وهذه المساهمة تلتقي مع نفس الحوار الذي أطلق مؤخرا، ونحن نتمنى أن تثمر هذه الجولات من النقاش والتناظر، ما يقدم المنظومة ويساعد المغرب، على ربح رهان التنمية. ويجب أن نكون واثقين من أن سياسة حرق المراحل ممكنة، فالتاريخ ليس قدرا محتوما،وتعلمنا تجارب دول الجنوب، أنه ليس هناك شيء مستحيل، وأن ما يمكن تحقيقه في 150 سنة، يمكن أن يحقق في 20 أو 30 سنة، إذا توفرت الإرادة السياسية، وكان هناك سند مجتمعي وتم الاعتماد على الذات، والاستفادة من أخطاء الماضي.

د. رشيد جرموني (باحث في سوسيولوجيا التربية)